الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
366
تفسير روح البيان
من بين سائر الصفات اشعار بالمالكية والتربية فلا يمتنع عليه الظالم القوى لكونه مملوكا مسخرا في قبضة قدرته ولا يترك حتى المظلوم الضعيف لان مقتضى التربية ان لا يضيع لاحد شيأ من الحقوق وفي هذه التشديدات إشارة إلى أن التطفيف وان كان يتعلق بشئ حقير لكنه ذنب كبير قيل كل من نقص حق اللّه من زكاة وصلاة وصوم فهو داخل تحت هذا الوعيد وعن ابن عمر رضى اللّه عنهما انه قرأ هذه السورة فلما بلغ إلى قوله يوم يقوم الناس لرب العالمين بكى نحيبا اى يرفع الصوت وامتنع من قراءة ما بعد من غلبة البكاء وملاحظة الحساب والجزاء وقال أعرابي لعبد الملك بن مروان انك قد سمعت ما قال تعالى في المطففين وأراد بذلك ان المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم في أخذ القليل فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن كَلَّا ردع عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب فيحسن الوقف عليه وان كان بمعنى حقا فلا لكونه حينئذ متصلا بما بعده إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ تعليل للردع والكتاب مصدر بمعنى المكتوب كاللباس بمعنى الملبوس أو على حاله بمعنى الكتابة واللام للتأكيد وسجين علم لكتاب جامع هو ديوان الشر دون اعمال الشياطين واعمال الكفرة والفسقة من الثقلين منقول من وصف كحاتم وهو منصرف لأنه ليس فيه الا سبب واحد وهو التعريف وأصله فعيل من السجن مبالغة الساجن أو لأنه مطروح كما قيل تحت الأرض السابعة في مكان مظلم وحش وهو مسكن إبليس وذريته إذلالا لهم وتحقيرا لشأنهم وتشهده الشياطين المدحورون كما أن كتاب الأبرار يشهده المقربون فالسجين مبالغة المسجون والمعنى ان كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون اى ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم لفى ذلك الكتاب المدون فيه قبائح اعمال المذكورين وفي التأويلات النجمية اى كتاب استعدادهم الفطري مكتوب في ديوان سجين طبيعتهم المجبولة على الفسق والفجور بقلم اليد اليسرى على ورق صفحة جبينهم كما قال عليه السلام السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقى في بطن أمه وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ تهويل لامره اى هو بحيث لا يبلغه دراية أحد كِتابٌ مَرْقُومٌ قال الراغب الرقم الخط الغليظ وقيل هو تعجم الكتاب وقوله كتاب مرقوم حمل على الوجهين انتهى اى هو مسطور بين الكتابة بحيث كل من نظر اليه يطلع على ما فيه بلا دقة نظر وإمعان توجه أو معلم يعلم من رآه انه لا خير فيه لاهاليه اى ذلك الكتاب مشتمل على علامة دالة على شقاوة صاحبه وكونه من أصحاب النار وكونه علامة الشر يستفاد من المقام لأنه مقام التهويل وقال القفال قوله كتاب مرقوم ليس تفسيرا لسجين بل هو خبر لان والمعنى ان كتاب الفجار لفى سجين وانه كتاب مرقوم وقوله وما ادراك ما سجين وقع معترضا بين الخبرين وقال القاشاني ان كتاب الفجار اى ما كتب من اعمال المرتكبين للرذائل الذين فجروا بخروجهم عن حد العدالة المتفق عليها الشرع والعقل لفى سجين في مرتبة من الوجود مسجون أهلها في حبوس ضيقة مظلمة يزحفون على بطونهم كالسلاحف والحيات والعقارب آلاء أخساء في أسفل مراتب الطبيعة ودركاتها وهو ديوان اعمال أهل